أبي الفرج الأصفهاني
314
الأغاني
إن كان ينفعك اليقين فسائلي عني الظعينة يوم وادي الأخرم عل هي لأول من أتاها نهزة لولا طعان ربيعة بن مكدم / إذ قال لي أدنى الفوارس ميتة خلّ الظعينة طائعا لا تندم فصرفت راحلة الظعينة نحوه عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم وهتكت بالرمح الطويل إهابه فهوى صريعا لليدين وللفم ومنحت آخر بعده جياشة نجلاء فاغرة كشدق الأضجم [ 1 ] ولقد شفعتهما بآخر ثالث وأبى الفرار لي الغداة تكرمي قال : فلم يلبث بنو مالك بن كنانة رهط ربيعة بن مكدم ، أن أغاروا على بني جشم رهط دريد ، فقتلوا وأسروا وغنموا ، وأسروا دريد بن الصمة ، فأخفى نسبه . فبينا هو عندهم محبوس ، إذ جاء نسوة يتهادين إليه . فصرخت امرأة منهنّ ، فقالت : هلكتم وأهلكتم ، ماذا جرّ علينا قومنا ؟ هذا واللَّه الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة . ثم ألقت عليه ثوبها وقالت : يا آل فراس ، أنا جارة له منكم ، هذا صاحبنا يوم الوادي . فسألوه من هو ؟ فقال : أنا دريد بن الصمة ، فمن [ 2 ] صاحبي ؟ قالوا : ربيعة بن مكدم ، قال : [ 2 ] فما فعل ؟ قالوا : قتله بنو سليم ، قال : فمن الظعينة التي كانت معه ؟ قالت المرأة : ريطة بنت جذل الطعان ، وأنا هي ، وأنا امرأته . فحبسه القوم ، وآمروا أنفسهم ، وقالوا : لا ينبغي أن تكفر نعمة دريد على صاحبنا . وقال بعضهم : واللَّه لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره . وانبعثت المرأة في الليل ، فقالت : / سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة وكل فتى يجزى بما كان قدّما فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤه وإن كان شرا كان شرا مذمّما سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرة بإعطائه الرمح السديد المقوّما فقد أدركت كفاه فينا جزاءه وأهل بأن يجزى الذي كان أنعما / فلا تكفروه حق نعماه فيكم ولا تركبوا تلك التي تملأ الفما فلو كان حيا لم يضق بثوابه ذراعا ، غنيا كان أو كان معدما ففكوا دريدا من إسار مخارق ولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلما فأصبح القوم فتعاونوا بينهم ، فأطلقوه ، وكسته ريطة وجهزته ، ولحق بقومه . ولم يزل كافا عن غزو بني فراس حتى هلك .
--> [ 1 ] منحت : كذا في ف ، ق ، مب . وفي أ : نسخت . وفي س : نضحت ، وكلاهما تحريف . وجياشة : طعنة تجيش بالدم . والأضجم : صفة من الضجم ، وهو عوج في الفم ، وميل في الشدق . وفي ف : الأسحم ، ومعناه : الأسود ، يريد زق الخمر . ( 2 - 2 ) العبارة عن ف ، مب .